الخميس، 28 مارس 2013

حل بديل .. الفن حل استثنائي للواقع المصري





منذ ما يقرب من شهر، يزيد أو يقل، كنت في جلسة تحمل طابع فني وثقافي، فُتحت فيها نقاشات كثيرة حول مشاكل الفن والثقافة في مصر، خاصة ما تتعرض له الفرق المستقلة، وكانت مشكلة مساحات العرض المحدودة، هي أكثر المشاكل التي تواجه أولئك الذين يحاولون خلق واقع فني مغاير أكثر ابتكارا، وحرية من القيود التي تحجم بطبيعة الحال من مساحة الابتكار والتجديد، مرة بأسم الرقابة، ومرة أخري بأسم التجارة. فمساحات العرض المستقلة - رغم ندرتها - تعطي الأولوية للفرق الأجنبية والفرق ذات الشهرة في أوساط الشباب في تقديم عروضها، تلك مساحات العرض التي تُمول لخلق مساحة وفرصة للفرق المستقلة سواء كانت فرق موسيقية أو مسرحية لتقديم عروضها، وهناك أيضاً ساقية عبد المنعم الصاوي، التي يتزايد فيها دور الرقيب يوماً بعد يوم، حتي أنها تطلب من بعض الفرق النصوص المكتوبة لما سيعرضونه.

ومن هنا، وانطلاقا من هذا الواقع، طُرحت العديد من الأسئلة - التحديات - أمام الفن المستقل، مثل:
إلي متي ستظل مشكلة مساحات العرض قائمة؟
وما هي الحلول المتاحة للفرق المستقلة للتواصل مع الجمهور في ظل اغلاق بعض المساحات الفنية وما تتعرض له المساحات الفاعلة من ضغط؟
وهل سيستمر الاعتماد فقط علي المؤسسات الثقافية الداعمة التي تواجه مشاكل في الأساس؟

***

" الفن في كل مكان "

عرض المتحولون في شوارع الاسكندرية
فرقة " قوطة حمرا "

كان يوم الجمعة، الأول من مارس الجاري، تحديداً في الأسكندرية، ونظراً لمحدودية مساحات العرض في الاسكندرية، رغم وفرتها، نظمت "سفينة نوح" وهي مجموعة فنية حرة تعمل علي اظهار الأصوات الحقيقية للشباب في الاسكندرية عرض المتحولون الذي قدمته فرقة " قوطة حمرا " في مقهي حباتر بشارع الميناء الشرقية بمحطة الرمل، حيث نسقت بين المقهي وبين الفرقة لعرض المتحولون بها، الأمر الذي أسعد رواد المقهي والمارة من الأطفال وكبار السن، وأعطي انطباعات جيداً حول الفن المستقل وعروضه في الشارع السكندري، حيث طلبت المقهي أن يتم تقديم عروضاً أخري فيها، وتم عمل صفحة علي موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" تحمل أسم مقهي حباتر الثقافي.

***

" حل بديل "


كان يوم الأحد، الرابع والعشرون من مارس الجاري، تحديداً في القاهرة، انطلق مهرجان "حل بديل" الذي خرج بفكرته كل من " صابر السيد و ميدو صادق "ووضعوا له برنامج دسم متنوع بين الموسيقي و السينما المستقلة و حتي عروض الـ "ستاند اب كوميدي" و العرائس .

الهدف .. خلق مساحات عرض بديلة أقل كلفة، وأكثر مباشرة في 

تواصل الفن بالجمهور، وأكثر استقلالية

جانب من تفاعل الجمهور مع المهرجان في الشارع

المهرجان الذي يعتمد بشكل كبير علي الطاقات الابداعية والتنظمية و الكثير من الفنانين المشاركين والمنظمين فيه بشكل تلقائي، والذي سمح بطبيعة الحال للجمهور أن يتفاعل مع الحدث منذ اللحظة الأولي، حيث كان الافتتاح عبارة عن رقصة استعراضية في محيط المهرجان، دمجت بين الراقصين و الحضور حتي أصبح من الصعب أن تجد من الحضور من لم يشارك بالاستعراض وبالرغم من ضيق المساحة التي يتحرك فيها الراقصون إلا أن الذكاء في استغلالهم للشارع ليتفاعل الناس معهم مما جعل رقصتهم افتتاحية ممتازة للمهرجان.

بعد الكلمة الافتتاحية، ذات الطابع الكوميدي من المنظمين، سادت حالة من الدهشة علي الحضور، والسبب؛ فيلم تسجيلي لم تتجاوز مدة عرضه ال20 دقيقة، بعنوان "أحد سكان المدينة" للمخرج أدهم الشريف، والذي يناقش مفاهيم الحياة والحرية من وجهة نظر كلب ضال، ليدفعك دفعاً نحو رؤية القاهرة، تحديداً منطقة وسط البلد من زاوية مختلفة ومميزة لم تكن لتراها لولا الفيلم. الفيلم حاصل علي جائزة "يوسف شاهين" لأحسن مشروع تخرج بالمعهد العالي للسينما، أيضاً علي جائزة لجنة التحكيم للسينما الأفريقية بمهرجان "ميلانو"، وجائزة خاصة بمهرجان "تمبير" بفنلندا.
ولمدة ثلاثين دقيقة قدم كل من محمد شفيق وندا الشاذلي للحضور شوربة موسيقية دسمة، ذات طابع إليكتروني جديد، شفيق عازف الساكس، وهو من يضع الموسيقي، انطلق معه الجهمور، حيث مزج في بداية الأمر الموسيقي، ببعض من الشعر الذي يعبر عن الحالة التي تمر بها البلاد، ليتفاعل معه الجمهور بشكل حماسي، فتنطلق ندا بصوتها. "شوربة" التي نالت علي استحسان الحضور رغم حداثة التجربة الموسيقية لها لم تكن الوجبة الأخيرة في اليوم الأول من فاعليات مهرجان "حل بديل".
مشروع كورال في حل بديل

تحت شعار "بدل ما تشتكي .. غني"، قدم "مشروع كورال" عرض ختامي لليوم الأول، ولمدة تقارب نصف الساعة، وبأغاني بنيت من الأمثال الشعبية مرتبطة ارتباط وثيق بالواقع المصري المر الذي نعيشه، وبشكل بسيط وساخر، ليتفاعل الحضور مع الكورال ومع الاداء المميز، ما منح شعوراً بأن مصر بهذا الحضور والتفاعل والتلقائية "مش هاتروح فطيس".
كانت اجواء استثنائية في ظل ما يشهده الواقع السياسي المصري، وما يشهده الواقع الثقافي أيضاً من ركود، قدم اليوم الأول لـ"حل بديل" بعروضه، نوعاً من الفسحة الفكرية والنفسية من الواقع والدم والعنف المجتمعي الذي نعيشه هذه الأيام. ساعات معدودة، استطاع فيها "حل بديل" أن يقدم مصر التي يريدها المصريون.





كتب أحمد بلال و رقية كامل


نشر بصفحة أندرجراوند الصباح ( بتصرف ) ..
جريدة الصباح العدد 179 في الخميس 28 مارس 2013

ليست هناك تعليقات: